عدد الزيارات: 12
المكان: جامع الحكمة بالرياض
تاريخ الإلقاء: 11 / 9 / 1442 هـ
المدة: 15:35

خطبة بعنوان:

” قربات يتأكد فعلها في رمضان”

11 / 9 / 1442 هـ

لفضيلة الشيخ الدكتور

سعـــــد بن تركــــــي الخثـــــــــــلان

 

الخطبة الأولى :

 الحمد لله الذي منّ علينا بشريعة الإسلام، وشرع لنا ما يقرّب إليه من صالح الأعمال، الحمد لله الذي منّ علينا بمواسم الخيرات، ووفق من شاء لفعل الطاعات، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا عدد خلق وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله حق التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق:2-3]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾[الطلاق:4]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾[الطلاق:5].

عباد الله، مضت العشر الأُول من رمضان وها نحن في بداية العشر الأواسط منه، وهكذا ستمر أيام وليالي هذا الشهر المبارك، ستمر سريعًا وتمضي جميعًا، وكما وصفها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾[البقرة:184] فعلينا أن نغتنم ما تبقى من أيام وليالي هذا الشهر.

عباد الله، طرق الخير كثيرة وأبوابه متنوعة وهي وإن كانت بحمد الله مشروعةً في كل وقت إلا أنها تتأكد في هذا الشهر المبارك، شهر مضاعفة الحسنات ورفعة الدرجات.

ومن تلك القربات: تلاوة القرآن الكريم؛ فإنها عملٌ صالحٌ عظيم، وقد وردت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة مرغبةً فيها ومبيّنةً عظيم ثوابها وأجرها عند الله تعالى، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾[فاطر:29-30] وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»، وفي صحيح مسلمٍ عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا لأصحابه: «أيحب أحدكم أن يغدو إلى بطحان أو إلى العقيق» وهما موضعان في المدينة «فيأتي منه بناقتين كوماوين» أي عظيمتي السنام «في غير إثمٍ ولا قطيعة رحم؟ قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث، وأربعٌ خيرٌ من أربع ومن أعدادهن من الإبل».

فسبحان الله يا له من أجرٍ عظيم وثوابٍ جزيل مرتّب على عملٍ يسير؛ آيتان يقرأهما المسلم خيرٌ له من ناقتين كوماوين عظيمتي السنام، وثلاثٌ خيرٌ من ثلاث، وأربعٌ خيرٌ من أربع، وإنما مثّل النبي عليه الصلاة والسلام بالإبل لأنها كانت أنفس الأموال عند العرب التي كانوا يعتزون بها ويتفاخرون بها، ولا يُستغرب ما رُتب من أجرٍ عظيم على عملٍ يسير؛ ففضل الله واسع وهو أكرم الأكرمين.

وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألفٌ حرف ولامٌ حرف وميمٌ حرف» رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.

وقد حسب بعض السلف عدد حروف القرآن كما ورد عن ابن عباس؛ فضُرب عدد حروف القرآن في عشرة، فكانت النتيجة أن من ختم القرآن يُرجى أن يحصل على أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، وذلك فضل الله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.

وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيبٌ وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريحٌ وطعمها مر».

فينبغي لك أخي المسلم أن تحرص على تلاوة القرآن خاصةً في هذا الشهر، وأن يكون لك على الأقل ختمةٌ للقرآن في هذا الشهر، لا يليق بالمسلم أن يمر عليه هذا الموسم العظيم ولا يختم فيه كتاب الله عز وجل.

عباد الله، ومن القربات التي يتأكد فعلها في هذا الشهر: قيام رمضان، لا سيما صلاة التراويح؛ فإنها سنةٌ سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ترك صلاتها في المسجد خشية أن تُفرض على أمته، وبعد وفاته وانقطاع الوحي أحياها الصحابة في المسجد، ولا يزال عمل المسلمين عليها، هي سنةٌ مؤكدة يقول النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبٍ» وقال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة» ومعنى ذلك أن من قام ليالي جميع الشهر مع الإمام حتى ينصرف يكون قد قام رمضان كاملًا، فإذا كان ذلك عن إيمانٍ واحتساب فهو موعودٌ بأن تُغفر له ذنوبه، ومعنى «إيمانًا» أي إيمانًا بالله وبما أعدّ من ثواب للقائمين، «واحتسابًا» أي طلبًا للثواب، لم يحمله على ذلك رياءٌ أو سمعةٌ أو نحو ذلك، وينبغي أن يحرص من صلى صلاة التراويح ألا ينصرف حتى ينصرف الإمام من آخر ركعة حتى يُكتب له أجر قيام ليلة.

ومن القربات التي يتأكد فعلها في هذا الشهر: الإنفاق والبذل في سبيل الله عز وجل، والتصدق ابتغاء مرضات الله كما قال ربنا سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[البقرة:245]، ويقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة:261]، ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾[البقرة:272]، ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾[سبأ:39].

جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله ما منّا أحدٌ إلا وماله أحبّ إليه، قال: فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يومٍ يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا».

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجلٌ يمشي بفلاةٍ من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسقِ حديقة فلان، فتنحّى ذلك السحاب، فأفرغ ماؤه في حرّة، فإذا شرجة» أي مسيل ماء من تلك الشراج «قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحوّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان» الاسم الذي سمع في السحابة «قال له: يا عبد الله لِمَ تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان باسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثًا».

والنصوص الواردة في فضل الإنفاق في سبيل الله كثيرةٌ جدًا، فجودوا بالإنفاق في سبيل الله، واقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة.

عباد الله، ومن القربات التي تتأكد في هذا الشهر المبارك: العمرة، فإن العمرة في رمضان ثوابها وأجرها مثل ثواب الحج، ففي الصحيحين عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عمرةٌ في رمضان تعدل حجة» أو قال: «حجةً معي»، قال ابن عربي رحمه الله: حديث العمرة هذا حديثٌ صحيح، وهو فضلٌ من الله عز وجل ونعمة؛ فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها.

وينبغي لمن أراد أن يعتمر هذه الأيام أن يحرص على أخذ تصريح العمرة، وأن يلتزم بالإجراءات الوقائية التي وُضعت لتحقيق المصلحة العامة.

عباد الله، وينبغي للصائم أن يحرص على ألا يجرح صومه بمعصية، فإن كل معصيةٍ تقع من الصائم تُنقص من أجر الصائم، وهذا -أعني اجتناب المعاصي- وإن كان مطلوبًا في كل وقت إلا أنه يتأكد في حق الصائم.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري، أي أن من كثرت منه المعاصي القولية التي عبّر عنها عليه الصلاة والسلام بقوله: «قول الزور» والفعلية والتي عبّر عنها بقوله: «والعمل به» فقد يصل إلى هذه المرحلة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث؛ وهي أن الله يدع طعامه وشرابه؛ أي لا يؤجر ولا يُثاب على هذا الصيام، لأن الصيام ليس إمساكًا عن المفطّرات الحسية فحسب بل هو كذلك إمساك عن المعاصي.

فالذي لا يتأدّب بآداب الصوم ويقع في المعاصي القولية والفعلية فكل معصيةٍ تنقص من أجر الصائم وتجرح صومه، وربما إذا كثرت هذه المعاصي منه يصل للمرحلة المذكورة في الحديث وهي أنه لا يؤجر ولا يُثاب على هذا الصيام، ليس لله حاجة في هذا الصيام الذي لم يتأدب فيه الصائم بآداب الصيام ليس لله حاجةٌ في هذا، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه.

فعلى المسلم أن يستحضر هذا المعنى، وأن يحرص على اجتناب المعاصي حتى لو أخطأ عليك أحد ينبغي ألا تقابل الخطأ بمثله، وأن تقول له: إني صائم «فإن سابّه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني امرؤٌ صائم» قال جابر رضي الله عنه: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقارٌ وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الأحزاب:56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن صحابة نبيك أجمعين وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، وُيهدى أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم بارك لنا فيما تبقى من ايام وليالي هذا الشهر، اللهم وفقنا فيه للصيام والقيام وصالح الأعمال، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا من عتقائك من النار يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، وقرِّب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر، وتذكّره إذا نسي يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوفٌ رحيم.