عدد الزيارات: 19
المكان: جامع الحكمة بالرياض
تاريخ الإلقاء: 14 / 7 / 1442هـ
المدة: 16:12

خطبة بعنوان:

خصائص يوم الجمعة2

14 / 7 / 1442هـ

لفضيلة الشيخ الدكتور

سعـــــد بن تركــــــي الخثـــــــــــلان

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وجعل فيه ساعة للدعاء فيها مجاب مسموع، وخصه بخصائص ليعرف الناس قدره فيقوموا به على الوجه المشروع، أحمده تعالى وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102]

عباد الله، إن من أعظم نعم الله تعالى علينا أن جعلنا من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فأمتنا هذه هي خير الأمم، وأكرمها على الله تعالى، عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل من الأمم يوم القيامة إلا ود أنه منا أيتها الأمة، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن شهداؤه يوم القيامة أن قد بلغ رسالة الله ونصح لهم» كما قال سبحانه: ﴿ لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ. وإن مما أدخره الله تعالى لهذه الأمة من الفضائل يوم الجمعة، فقد أضل الله عنه اليهود والنصارى وهدى إليه هذه الأمة، أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، الأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق».

وقد خص الله تعالى هذا اليوم بخصائص عظيمة منها: ما جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة».

ومن خصائص يوم الجمعة، أنه تقام فيه صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، ولذا كان من ترك ثلاث جمع من غير عذر طبع الله على قلبه، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن خصائص يوم الجمعة، أن فيه الخطبة التي أمر الله بالسعي إليها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[الجمعة: 9] وذكر الله المأمور بالسعي إليه في هذه الآية: هو الخطبة، والصلاة، فينبغي للمسلم أن يهتم بالسعي إلى استماع خطبة الجمعة، وإقامة صلاة الجمعة مع الإمام، وأن يتفرغ في ذلك الوقت أو يخفف من مشاغل الدنيا التي لا تنقضي، وينبغي أن يحرص على تطبيق السنن الواردة في ذلك؛ حتى يحصل على الثواب العظيم، والأجر الجزيل، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري، عن سلمان – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه، وبين الجمعة الأخرى» يا له من فضل عظيم، من فعل هذه الأمور المذكورة في هذا الحديث فإنه موعود بأن تغفر له ذنوبه وخطاياه. وهي يسيرة على من يسره الله عليه.

الأمر الأول: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، والاغتسال للجمعة سنة مؤكدة، بل إن بعض أهل العلم قال بوجوبه، فينبغي لك أخي المسلم أن لا تدع الاغتسال للجمعة ولو أن تفيض على جسده الماء، لاسيما في زماننا هذا الذي تيسرت فيه المياه للناس أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك نجد أن بعض الناس يتساهل في هذه السنة المؤكدة.

الأمر الثاني: ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، وجاء في رواية لمسلم: ولو من طيب المرأة، أي ولو من طيب زوجته، تأكيدا لهذه السنة، فينبغي لك أن لا تدعها، عندما تخرج من المسجد الجامع يوم الجمعة ينبغي أن تدهن أو تطيب، كما ينبغي له أن تأخذ زينتك، فتلبس أحسن ملابسك، وتتزين بأفضل ما تجد من الزينة؛ لأن الله تعالى أحق من تزين له، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة، وإذا كان يستحب أخذ الزينة عند كل صلاة، فإنه يتأكد لصلاة الجمعة.

الأمر الثالث: ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله: ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، وفي رواية ثم لم يتخطى رقاب الناس، وفي رواية: ولم يتخطى أحدا ولم يؤذه، فينبغي للمسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة ألا يتخطى الرقاب، ولا يؤذي أخوانه الجالسين لاستماع الخطبة؛ فإن تخطيه للرقاب ينقص من أجره.

الأمر الرابع: ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ثم يصلي ما كتب له، ولم يحدد ذلك بحد معين وإنما قال: ما كتب له، ومن هنا ذكر أهل العلم أن صلاة النافلة قبل صلاة الجمعة ليس لها حد محدود، فإذا دخل المسلم للمسجد الجامع يوم الجمعة يصلي ما شاء، مثنى، مثنى إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعا أو ستا أو أكثر من ذلك..، حسب نشاطه وهمته، وقد كان بعض السلف الصالح يشتغل بالصلاة من حين دخوله المسجد الجامع إلى قبيل الزوال أي إلى وقت النهي، وروي عن الإمام الأوزاعي أنه دخل المسجد الجامع يوم الجمعة فأصبح يصلي فحسب له ست وثلاثون ركعة، ولكن لا بد أن يتوقف عن الصلاة قبيل الزوال بنحو عشر دقائق  لأن هذا هو وقت النهي حين يقوم قائم الظهيرة.

الأمر الخامس: ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ثم ينصت إذا تكلم الإمام، فينبغي إذا شرع الخطيب في الخطبة الإنصات والاستماع للخطبة، وهذا واجب، وأن يقبل عليها بقلبه وقالبه، ويصغي إليها حتى يستفيد منها، فإن الله عز وجل أخبر بأن الذكرى إنما تنفع المؤمنين فقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الذاريات: 55] وبعض الناس يستفيد من خطب الجمعة فوائد عظيمة عندما يصغي إليها، ولهذا تجد أن ثقافته الشرعية مستواها عالٍ بسبب حسن الاستماع، والإنصات لخطب الجمعة، وبالمقابل يحرم من تكلم أثناء الخطبة يحرم من أجر الجمعة ويقع في الإثم حتى ولو كان ذلك أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت» أخرجه البخاري، ومعنى اللغو أنه: يحرم من أجر وثواب الجمعة؛ بسبب مخالفته وتكلمه والإمام يخطب، فمن تكلم والإمام يخطب  ولو بكلمة واحدة فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له، أي أنه ليس له من أجر وثواب الجمعة شيء، فمن حقق هذه الأمور الخمسة المذكورة في هذا الحديث فهو موعود على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بمغفرة الذنوب. والمراد مغفرة الصغائر وأما الكبائر فلا بد فيها من التوبة.

ومن خصائص يوم الجمعة: أن فيها ساعة الإجابة، التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجمعة لساعة، لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه» أخرجه البخاري ومسلم، والمقصود بالساعة: لحظات يكون الدعاء فيها مستجابا، وليس المقصود بالساعة الساعة التي هي ستون دقيقة، وقد اختلف العلماء في تحديد هذه الساعة، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ثلاثة وأربعين قولا، وأرجحها قولان، الأول: من حين دخول الخطيب إلى أن تقضى الصلاة، والثاني: آخر ساعة قبل غروب الشمس، و آخر ساعة قبل غروب الشمس ذكر ابن القيم وغيره أن جميع أهل الملل يعظمونها، وأن اليهود والنصارى يعظمونها، وهي عندهم أنها هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، فقد اعترف بذلك مؤمنهم، فهي أرجى ساعات الجمعة موافقة لساعة الإجابة، فينبغي للمسلم أن يجتهد في جميع ساعات الجمعة بالدعاء، والذكر، والعبادة، ويتأكد ذلك في هاتين الساعتين من حين دخول الخطيب إلى أن تقضى الصلاة وآخر ساعة قبل غروب الشمس، فيجتهد في الدعاء في هذه اللحظات، فيجتهد بالدعاء لعله أن تستجاب له دعوة تكون سببا لسعادة الدنيا والآخرة.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله:

ومن خصائص يوم الجمعة، أنه يستحب التبكير في الذهاب إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح إلى الجمعة في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح إلى الجمعة في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح إلى الجمعة في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح إلى الجمعة في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف وأقبلت الملائكة يستمعون الذكر» أي الخطبة وظاهر هذا أن من دخل المسجد الجامع بعد دخول الخطيب لا يكتب له من أجر التبكير شيء، فيكون قد فاته هذا الأجر العظيم، فينبغي للمسلم أن يحرص على أن يكتب له من أجر التبكير شيء، وبعض الناس محروم من ذلك، كل جمعة لا يأتي إلا بعد دخول الخطيب، فهو يحرم نفسه من هذا الأجر العظيم، ومن هذا الثواب الجزيل، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه القربان؛ لأن يوم الجمعة في الأسبوع هو كالعيد في العام، والعيد مشتمل على صلاة، وذبح، وقربان، ويوم الجمعة يوم صلاة، فجعل الله تعالى التعجيل فيه إلى الجامع بدلًا من القربان، فيجتمع للرائح فيه الصلاة والقربان، انظروا إلى الفرق العظيم بين أجر من يبكر إلى الجمعة فيأتي في الساعة الأولى، وأجر من لم يأت إلا في الساعة الأخيرة، هو الفرق ما بين من يهدي البعير، و بين من يهدي البيضة، أما من لم يأتي إلا بعد دخول الخطيب فإنه قد طويت الصحف، ولا يكتب له قربان بعد ذلك، والمسألة مسألة توفيق من الله عز وجل، وهناك أناس موفقون يأتون للمسجد الجامع في وقت مبكر، فقد حدثني أحد كبار السن، أنه كان هنا في مدينة الرياض، كان هناك أناس يذهبون للمسجد الجامع لصلاة الفجر، ثم لا يخرجون إلا بعد صلاة الجمعة، حتى يضمنوا أجر الساعة الأولى، على جميع أقوال العلماء، وهذا من توفيق الله تعالى لبعض عباده، والموفق من وفقه الله.

فينبغي لك أخي المسلم أن تهتم بيوم الجمعة، وأن تحرص على التبكير للمسجد الجامع، وأن تأتي بالسنن؛ فإن الأجر المرتب على ذلك عظيم، والثواب جزيل، وبعض الناس إنما يفرط في ذلك بسبب السهر ليلة الجمعة، يسهرون ليلة الجمعة ثم بعد ذلك لا يقومون لصلاة الجمعة إلا متأخرين فيفوتون على أنفسهم الإتيان بهذه السنن، ويحرمون أنفسهم أجورًا عظيمة، فينبغي الاهتمام بيوم الجمعة، وبصلاة الجمعة، والحرص على الإتيان بسنة التبكير حتى يحوز المسلم هذا الأجر وهذا الثواب.

وفي هذه الظروف يأتي المسلم مع بداية فتح المسجد الجامع، ومن كان من عادته أنه كان يبكر قبل هذه الظروف فيكتب له ما كان قد اعتاد وهذا يدل على فضل الاعتياد على العمل الصالح.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.[الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك  يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدا يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، ولما فيه صلاح البلاد والعباد، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر، وتذكره إذا نسي، يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.