عدد الزيارات: 11
المكان: جامع الحكمة بالرياض
تاريخ الإلقاء: 9 / 10 / 1442 هـ
المدة: 14:30

خطبة بعنوان:

” التوبة النصوح”

9 / 10 / 1442 هـ

 لفضيلة الشيخ الدكتور

سعـــــد بن تركــــــي الخثـــــــــــلان

 الخطبة الأولى:

 الحمد لله عظم حلمه فستر، وبسط يده بالعطاء فأكثر، سبحانه وتعالى أطاعه الطائعون فشكر وتاب إليه المذنبون فغفر، أحمده تعالى وأشكره حمدًا وشكرًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأحمده وأشكره حمد الشاكرين الذاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102].

عباد الله، وإن من لوازم التقوى لله تعالى أن يكون العبد توابًا، كثير الأوبة إلى ربه والرجوع إليه بالتوبة والاستغفار، ولذلك كان من أوصاف نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنه نبي التوبة؛ أي النبي الذي جاء داعيًا إلى التوبة آمرًا بها، وكان يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ» وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن كنا لنعدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة: ربِ اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم.

وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتوبة النصوح فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾[التحريم:8] وقال جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور:31] وما من رسولٍ إلا وقد أمر قومه بالتوبة إلى الله، فجميعهم نادوا أقوامهم: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾[هود:52].

ولا غرو في ذلك؛ فإن التوبة بها يقوم الدين ويصلح، وبها يستقيم المرء، وبها يُتوقَّى شؤم الذنب والمعصية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» فما منّا إلا ذو خطأ في سرٍ أو علن، ظاهرٍ أو باطن، في حق الله أو في حق الخلق، ولا سبيل للنجاة من شر تلك الخطايا والآثام إلا بالتوبة إلى الله عز وجل، ومن تاب تاب الله عليه مهما كانت ذنوبه وخطاياه، يقول ربنا سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[الزمر:53]، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وذلك من فضله وإحسانه؛ فهو غافر الذنب، وهو قابل التوب، ذو الطول جل وعلا.

عباد الله يُشترط لقبول التوبة ثلاثة شروط لا بد منها، وغذا تخلف واحدٌ منها لم تُقبَل التوبة:

× الشرط الأول: الندم على ما فعل من الذنب، والندم يدل على صدق التوبة؛ فإن من يدّعي أنه تاب إلى الله ولم يحصل منه ندمٌ على المعصية لم يكن صادقًا في توبته، وقد جاء في حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الندم توبة».

× الشرط الثاني: الإقلاع عن الذنب وعن الإصرار عليه؛ فإن كان ذنبه ترك واجبٍ قام بفعله وتداركه ما أمكن، وإن كان ذنبه بإتيان محرمٍ أقلع عنه وابتعد.

× الشرط الثالث: العزم على ألا يعود إلى ذلك الذنب في المستقبل، أما إن تاب ومن نيته أن يعود إليه فلا تصح توبته.

فلا بد من هذه الشروط الثلاثة: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألا يعود إليه، وإن كانت المعصية متعلقةً بحقوق آدميين فيُضاف شرط رابع، وهو التحلل منهم، ولا تصح توبته ولا تُقبَل إلا بذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن كانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، مِن قَبْلِ أنْ يُؤْخَذَ لأخِيهِ مِن حَسَناتِهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخِيهِ فَطُرِحَتْ عليه».

عباد الله التوبة بابها مفتوحٌ للعباد ما لم تبلغ الروح الحلقوم أو تطلع الشمس من مغربها، لأنه إذا بلغت الروح الحلقوم فإن الإنسان ينتقل من الإيمان بالغيب إلى الإيمان بالشهادة، فلا ينفع الإيمان حينئذ، فإن الناس كلهم يؤمنون حينما يصبح الغيب شهادة، حتى أعظم طاغيةٍ في تاريخ البشرية؛ فرعون، عندما بلغت الروح الحلقوم آمن ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾[يونس:90] فلم ينفعه إيمانه، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾[النساء:18].

وكذلك إذا طلعت الشمس من مغربها؛ فإن الغيب يصبح شهادة ويؤمن جميع الناس، فلا تُقبَل التوبة حينئذ كما قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾[الأنعام:158] أي طلوع الشمس من مغربها كما قال المفسّرون ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾[الأنعام:158] فعندما يصبح الغيب شهادة فتبلغ الروح الحلقوم أو تطلع الشمس من مغربها فإن التوبة لا تُقبَل حينئذ.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، يفرح بتوبة عباده ويحب التواب، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة.

عباد الله، أخبرنا ربنا سبحانه بأنه يحب التوابين من عباده؛ فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة:222] والله يحب من عبده أنه كلما وقع في الذنب يتوب إليه، قد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله -تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أيْ رب، اغفر لي ذنبي، فقال -تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أيْ رب، اغفر لي ذنبي، فقال -تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء».

فإذا وقع العبد في الذنب وتاب إلى الله محققًا شروط التوبة السابقة فإن الله يتوب عليه ما دام صادقًا في توبته، لكن جاءته لحظة ضعف نفسٍ فوقع في الذنب مرة أخرى ثم تاب، فإن الله يتوب عليه، ومهما تكرر الذنب وتكررت معه التوبة مستكملةً شروطها فإن الله عز وجل يتوب عليه.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا، فيحسن الطهور، ثم يقوم ويصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له» فكلما وقعت في معصيةٍ أو في ذنب قم وتوضأ وصلّ ركعتين واستغفر الله تعالى وتب إليه محققًا شروط التوبة: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألا تعود إليه مرةً أخرى، وإذا كان ذلك متعلقًا بحق آدمي فتحلل منه، واجعل ذلك مبدأً لك في حياتك؛ فإنك إن فعلت ذلك تتصف بصفة التواب، ومن اتصف بصفة التواب فإن الله تعالى يحبه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِين﴾[البقرة:222].

والله تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه فرحًا عظيمًا، يصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفرح يقول: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ» قال ابن القيم: فأي فرحةٍ تعدل هذا.

ولو كان في الوجود فرحٌ أعظم من فرح هذا لمثّل به النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ففرح الله تعالى بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم من فرح هذا الرجل براحلته، هذا هو الكرم الإلهي، هذا الفرح الرباني بتوبة العبد يدفع كل عاصٍ إلى التوبة، ويفتح الأبواب، هذا الفرح العظيم من الرب جل وعلا بتوبة عبده وهو الغني عنه كل غنى يدل على عظيم رحمة الله بعباده، وعلى محبته للعفو، وعلى عظيم فضله وجوده وكرمه وإحسانه جل وعلا، وإلا فإنه سبحانه غنيٌ عن عباده، ولكن لعظيم إحسانه لعباده ولمحبته للعفو يفرح بتوبة عبده هذا الفرح العظيم الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الأحزاب:56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارضَ عن صحابته أجمعين وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنّا معهم بعفوك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم احفظ المسجد الأقصى شامخًا عزيزًا بعز الإسلام يا رب العالمين، اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، وأبرم لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يُعز فيه أهل طاعتك، وُيهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، ووفق إمامنا ولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوفٌ رحيم.