عدد الزيارات: 27
المدة: 00:1:21

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه  

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين،  أما بعد:

فهذا مجلس من مجالس الذكر نجتمع فيه لنتذكر ما يهمنا في أمور ديننا، «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة».

أيها الأخوة، خلق الله الجن والإنس لعبادته كما قال – سبحانه – : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ [الذاريات: 56، 57] الحكمة من خلق الجن والإنس: هو تحقيق العبودية لله – عز وجل -.

وقد أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب لأجل تحقيق هذه الغاية، فمن استجاب وأطاع ربه فاز الفوز العظيم، وسعد سعادة الأبدية، ومن أعرض عن ذكر ربه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ.

أيها الأخوة، يقول ربنا – r – : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[الأنفال: 24].

فنادى الله عباده المؤمنون بوصف الإيمان فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال ابن مسعود – رضي الله عنه – : «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فارع لها سمعك، فإنها خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ أي: استجيبوا لطاعة الله، ولطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم –  ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ من أمر الدين لأنه سبب للحياة، والاستجابة لله ولرسوله: هذه من الأمور الواجبة على كل مؤمن ومؤمنة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فإذا أمرك الله بشيء فليس للمسلم خيار هل يستجيب أو لا يستجيب، وإذا أمر رسوله – صلى الله عليه وسلم – بشيء فليس للمسلم خيار، وهكذا إذا نهى الله عن أمر، فليس للمسلم خيار في أن ينتهي عنه أو لا ينتهي، وهكذا إذا نهى رسوله – صلى الله عليه وسلم – عن أمر فليس للمسلم خيار ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فعلى المسلم أن يكون معظما لأوامر الله، ولأوامر رسوله – صلى الله عليه وسلم – مستجيبا لله ولرسوله وإلا إذا لم يفعل فانظر ماذا يقول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إذا لم يستجب لله وللرسول فقد يحال بينه وبين قلبه جزاء وفاقا، ﴿وَاعْلَمُوا حينما تأتي في القرآن كلمة ﴿وَاعْلَمُوا فهي تدل على الاهتمام بما تتضمنه هذه الجملة، ففيها حيث للمخاطبين على الاهتمام والتأمل فيها ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ قال ابن عباس – رضي الله عنهما – في تفسير الآية: «أن يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان، وقيل: يحول بين المرء وعقله».

وقال ابن جرير الطبري – رحمه الله – إمام المفسرين: «أو للأقوال في تفسير الآية أن ذلك خبر من الله تعالى في أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء» فالحول بين الشيء والشيء هو الحجز بينهما، وعدم الاستجابة لله وللرسول قد تكون سببا لتقليب القلوب، الحيلولة بين الإنسان وبين طريق الهداية، والحيلولة بين الإنسان وبين الاستقامة، فالإنسان إذا لم يستجب لله وللرسول فهو على خطر في أن يقع في الضلالة، كما قال ربنا – سبحانه – : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ لماذا؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وفي هذا تحذير من الأعراض عن الحق، ويقول – سبحانه – : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فالذي يعرض عليه الحق، ويؤمر بأمر الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – ويعرض عنه فهو على خطر في أن يحال بينه وبين قلبه، وأن يقع في طريق الضلالة.

أيها الأخوة، تقلب القلوب من الأمور العجيبة، فإن القلوب أمرها ليس بيد العباد وإنما بيد رب العباد، فهو الذي يقلبها، ويصرفها كما يشاء، ولهذا قال – سبحانه –  في الآية السابقة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.

وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كما يشاء» «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» ونحن نؤمن بهذا كما ورد، ولا نعلم كيفيته وحقيقته فالله أعلم، لكن الذي أخبرنا بذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقلب الله قلوب العباد كما يشاء، ثم قال – عليه الصلاة والسلام – : «اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك» وجاء في حديث عائشة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يكثر من أن يقول: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقيل: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، قال: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء» ولهذا من الأدعية العظيمة التي ينبغي أن يكثر منها المسلم، والتي ينبغي أن يدعوا الله بها كل يوم، أن يقول: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» «اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك» فإن الله هو الذي بيده القلوب، والله تعالى أملك بقلبك منك، يقلب قلبك كما يشاء، فادع الله تعالى بأن يثبتك قلبك على دينه، وأن يصرف قلبك على طاعته، هذا الدعاء من الأدعية العظيمة التي يغفل عنها بعض الناس، ينبغي أن يلازم المسلم هذا الدعاء كل يوم، لا يمر عليك يوم إلا دعوت الله بهذا الدعاء «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» «يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك».

الله تعالى ذكر أن من دعاء الراسخين في العلم أنهم كانوا يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.

جاء في حديث المقداد بن الأسود – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لقلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر إذا اجتمعت غليانا» أخرجه أحمد والحاكم بسند صحيح، ثم قال المقداد بعدما روى الحديث قال: «ألا إن السعيد من جنب الفتن، قالها ثلاث مرات».

فالقلوب سريعة التقلب، وهي أسرع تقلبا من القدر إذا اجتمعت غليانا، وكثيرا ما نسمع عن إنسان كان صالحا ثم انحرف، كان مستقيما ثم انتكس، سمعنا وسمعت جميعا عن أناس كثير كان فلان بن فلان من الصالحين، كان من العباد، كان من المحافظين على الصلوات الخمس مع الجماعة في المسجد، وإذا به تتغير أحواله، وإذا به ترق الديانة عنده شيئا فشيئا، ويظهر ذلك عليه في سمته، وفيه عبادته، وفي سلوكياته، في تساءل الناس، ما الذي جرى لفلان؟ كنا نعده من أهل الخير والصلاح، كنا نعده من العباد، ما الذي حصل له؟ ما الذي غيره؟ نقول: إن قلب الإنسان ليس بيده، هذا الذي حصل لهذا الإنسان قد يحصل لأي واحد منا؛ لأن القلب سريع التقلب، وقلوب العباد بيد الرحمن يقلبها كما يشاء، فعلى المسلم أن يضرع إلى الله – سبحانه – في أن يثبته على طريق الهداية، وأن يثبت قلبه على دينه، وأن يصرف قلبه على طاعته، ولهذا في كل ركعة نصليها من كل صلاة فرضا كانت أو نافلة ندعو الله – عز وجل – بالدعاء العظيم «اهدنا الصراط المستقيم» دعاء بالهداية بأن الله تعالى يهدينا الصراط المستقيم، طريق الهداية، طريق الحق ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وحسن أولئك طريقا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ليس صراط المغضوب عليهم، ولا صراط الضالين، وإنما صراط الذي أنعم الله عليهم.

أيها الأخوة: وتقلب القلوب من أسباب هذا التقلب ما أشار إليه المقداد في الحديث السابق قال: «ألا إن السعيد من جنب الفتن، قالها ثلاث مرات» وهو يشير بهذا إلا أنه ورود الفتن على القلوب من أسباب تقلب القلوب، ورود الفتن، وهذا المعنى وردت الإشارة إليه في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ثم قال ربنا – سبحانه – : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً لماذا ذكر الله تعالى الفتنة بعد تقلب القلوب؟ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً إشارة إلى أن من أسباب تقلب القلوب ورود الفتن على القلوب، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – كما في حديث حذيفة في صحيح مسلم: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتة فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتة فيه نكتة بيضاء» وهذه الفتن التي تعرض على القلوب هي واردة في كل مكان وزمان، ولكنها تكثر قبيل قيام الساعة، فكثرتها من أشراط الساعة، وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – «أن من أشراط الساعة أن تكثر الفتن» ونحن في هذا الزمان الذي نعيش فيه الآن قد كثرت فيه الفتن، في هذا الزمن الذي انفتح العالم فيه بعضه على بعض، وأصبح العالم كما يقال: كالقرية الصغيرة، وهذا الانفتاح جلب معه فتنا كثيرة، فتن شبهات، وفتن شهوات، فعلى المسلم أن يتقي هذه الفتن، وأن يبتعد عنها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً.

فتن الشبهات وما أكثرها في هذا الزمان، يعرض على الإنسان شبهات كثيرة في أمور دينه، وعقيدته، ومنهجه، والمسلمات التي عنده فيأتي من يطرح عليه شبهة، ويشككه في دينه، وربما هذه الشبه تؤثر على من كان عنده ضعف في الإيمان، وربما تؤثر على بعض الشباب الصغار، وأصبحت هذه الشبه، أصبحت ترد بكثرة وبسرعة عبر وسائل التقنية الحديثة، وعلى رأسها: الانترنت بجميع صوره وأشكاله.

وأيضا فتن الشهوات وما أكثرها أيضا في هذا الزمان الذي نعيشه، فتعرض للإنسان فتن عظيمة من الشهوات تصده عن دين الله – عز وجل – ولهذا فعلى المسلم أن يتقي هذه الفتن بأنواعها، فتن الشبهات، وفتن الشهوات، ويتقيها أولا: بأن يضرع إلى الله سبحانه بأن يجنبه مضلات الفتن، وكذلك بالاستقامة على طاعة الله بأن يكون صادقا مع الله، صادقا في تدينه، فإن من كان صادقا في تدينه يحفظ الله عليه دينه، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «احفظ الله يحفظك» احفظ الله بأي شيء؟ احفظ الله تعالى بالاستقامة على شرعه وعلى دينه يحفظك الله تعالى هل الحفظ المقصود به في الدين أو في الدنيا؟

الجواب: في الدين والدنيا جميعا، ولكن حفظ الدين أشرف من حفظ الدنيا، فمن كان صادقا مع الله في تدينه حفظ الله عليه دينه، فما أن تعرض له فتنة شبهة إلا ويقيض الله تعالى له ما يزيلها، من عالم يعرضها عليه، من كتاب نافع، من دعوة صالحة يدعوا بها فيكشف الله عنه هذه الفتنة ويزيلها، يكشف الله عنه هذه الشبهة ويزيل عنه هذه الفتة، وهكذا لو عرضت له فتنة شهوة، إذا كان صادقا مع الله عصمه الله تعالى من هذه الفتنة، هذا يوسف نبي الله – عليه الصلاة والسلام – عرضت عليه فتنة شهوة، وقد اجتمعت جميع عوامل الإغراء، والإثارة، والوقوع في الفاحشة، شاب في منتهى الشباب، وأعزب، والأعزب الداعي لوقوعه في الفتنة أشد، وغريب، والغريب لا يتحرج مما يتحرج منه غير الغريب، وأيضا كان رقيقا، كان وقتها رقيق، والذي دعاه للوقوع في الفاحشة امرأة، المرأة هي التي دعته، وهذا أقوى في الإغراء، ثم الذي دعاه امرأة ليست عادية امرأة ذات منصب وجمال، أعطيت قدرا عظيما من الجمال كما قال بعض أهل العلم، ثم مع ذلك تزينت له، وتهيأت له، ثم غلقت الأبواب ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ فاجتمعت جميع عوامل الإغراء، والإثارة، والفتنة أمام نبي الله يوسف ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ لماذا؟ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ فصرف الله عنه هذه الفتنة العظيمة، وصرف الله عنه السوء والفحشاء لماذا؟ بين الله السبب ﴿إِنَّهُ أي: لأنه ﴿مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وفي قراءة سبعية: المخلصين، جزاء الإخلاص، جزاء لصدقه مع ربه، لصدقه في استقامته، في حفظه لربه صرف الله عنه السوء والفحشاء، وهكذا من كان صادقا مع الله، حفظ الله عليه دينه، وصرف عنه فتن الشبهات وفتن الشهوات، وإلا فالإنسان ضعيف، قد تعرضه له الفتنة ويقع فيها، ولكنه إذا كان صادقا مع الله صرف الله عنه هذه الفتن كما حصل مع نبي الله يوسف، الذي صرف الله عنه السوء والفحشاء جزاء لإخلاصه وصدقه مع ربه – عز وجل -.

أيها الأخوة، وصلاح القلوب وثباتها، وعدم تقلبها، من أبرز أسبابه أن يبتعد الإنسان عن أصول الشرور، وعقبات الشيطان التي يتعرض بها لبني آدم وأبرزها:

أولا: الشرك والكفر هذه أبرز العقبات، وإذا أوقع الشيطان الإنسان فيها استراح منه؛ لأن الكافر لا يقبل منه صرفا ولا عدلا ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا[الفرقان: 23] فإن عجز الشيطان عنه نقله للعقبة الثانية وهي: البدعة، والبدعة أحب للشيطان من الكبيرة؛ لأن صاحب البدعة يرى أنه على صواب، والغالب أنه لا يتوب، بينما صاحب الكبيرة يعرف أنه على خطأ، وهو قد يتوب الذي يعتقد أنه مخطئ ومقصر، وواقع في الذنب ترجى له التوبة، لكن المصيبة الذي زين له سوء عمله فراءه حسنا كيف يتوب؟ فصاحب البدعة في الغالب أنه لا يتوب، بخلاف صاحب المعصية، فالبدعة أحب للشيطان من الكبيرة، لذلك قال – عليه الصلاة والسلام – : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فإن عجز عنه نقله للمعاصي، وابتدأ بالكبيرة، نقله لفعل الكبائر، والكبيرة من الذنوب: هي كل معصية ورد فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة من لعنة، أو غضب، أو سخط، أو نار، أو نفي إيمان، فإن عجز نقله الشيطان إلى الصغائر، والصغائر إذا اجتمعت على الإنسان أهلكته، فإن عجز الشيطان عن الإنسان أشغله بكثرة المباحات حتى يتعلق قلبه بالدنيا، وإذا تعلق قلبه بالدنيا أعرض عن الآخرة؛ لأن من أحب الدنيا وتعلق بها ضعف تعلقه بالآخرة، والدنيا والآخرة كما يقال: كالمرأتين الضرتين من أحب إحداهما أضر بالأخرى، الدنيا عندما تكون في يد الإنسان ليست محل ذم، كان بعض الصحابة من الأغنياء والأثرياء، وبعض الصالحين من الأغنياء والأثرياء ولم تصدهم عن دينهم، لكن الدنيا كانت في أيديهم وليست في قلوبهم، إنما تصد الدنيا الإنسان عن طريق الطاعة عندما تكون في قلبه وليست في يده، فعندما تكون الدنيا في قلب الإنسان هنا تؤثر على أمور الطاعة، وتصده عن كثير من أمور الخير، فإن عجز عنه الشيطان نقله للمفضول عن الفاضل، يعني إذا كان هناك عمل مفضول وعمل فاضل زين له المفضول حتى يفعله ولا يفعل الفاضل، هذه العقبات الست عقبات للشيطان على ابن آدم.

أيها الأخوة، ومع تقلب القلوب، وزيغ القلوب يحتاج إلى أن نتعرف على أسباب ثبات القلوب، فمن أعظم الأسباب، ما أشار إليه ربنا – عز وجل – في الآية السابقة لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ الضراعة إلى الله تعالى بالدعاء بالثبات، وألا يزيغ قلب الإنسان، فهذا الدعاء من الأدعية العظيمة، إذاً ينبغي لك أن تكثر من هذا الدعاء تقول: ربي لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني  وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، اللهم احفظني بالإسلام قائما وقاعدا وعلى جنبي، فتدعوا الله تعالى بهذه الأدعية، تدعوا الله بالثبات، جاء في حديث شداد بن أوس، عند الترمذي، وأحمد، وهو حديث صحيح، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول: «اللهم إني أسالك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، إنك أنت علام الغيوب»  هذا دعاء عظيم ابتدأه النبي – صلى الله عليه وسلم – بسؤال الله الثبات، فمن أعظم أسباب الثبات الدعاء.

ومنها: الاستجابة لله وللرسول كما أشاء في مقدمة المحاضرة، إذا دعاك الله ورسوله لأمر فحذاري ثم حذاري أن تعرض عنه فإن هذا الإعراض قد يكون سببا لزيغ القلب ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.

ومنها: تقوية شجرة الإيمان في القلب، فإن الإيمان لا يكون على وتيرة واحدة يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وإذا تعاهد الإنسان شجرة الإيمان فإنها تنمو وتزيد، وإذا لم يتعاهدها فإنها تضعف، هكذا الإيمان أيها الإخوة، ولذلك يجد الإنسان أثر مثل هذه المجالس، مجالس الذكر يجد أثرها على زيادة إيمانه، فهذه المجالس هي من أعظم أسباب زيادة الإيمان.

 ومنها: تدبر القرآن تلاوة واستماعا، كما قال ربنا – سبحانه – : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا فدل هذا على أن من أسباب زيادة الإيمان الاستماع للقرآن.

كذلك أيضا من أسباب زيادة الإيمان: الإكثار من ذكر الله – سبحانه – لأن الإنسان إذا أكثر من ذكر الله تعلق قلبه بالله، وضعف تعلق قلبه بالدنيا، جاء رجل إلى الحسن البصري وقال يا أبا سعيد: إني أجد قسوة في قلبي فما العلاج؟ فقال له الحسن: «أذب قسوة قلبك بكثرة ذكر الله – عز وجل -» إذا أكثرت من ذكر الله زالت القسوة، وذهبت، وذابت، وقوي الإيمان، وقوي التعلق بالله – سبحانه – بالدار الآخرة، لكن عندما يكون الإنسان غافلا لاهيا منشغل بمشاغل الدنيا التي لا تنقضي يقسو قلبه، ويضعف إيمانه، ويؤدي العبادات وكأنها عادات، لا يشعر بطعم ولذة العبادة، لا يشعر بحلاوة الإيمان؛ لأنه مشغول حتى وإن أتى بالعبادة، حتى وإن صلى، يصليها بدون خشوع، بدون حضور قلب، فمن أسباب زيادة الإيمان وتحقيق الخشوع وحضور القلب الإكثار من ذكر الله، كما قال – سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[الأحزاب: 41، 42].

ومن أسباب ثبات القلوب: الصحبة الصالحة، والإنسان يتأثر بالصحبة، ويتأثر بمن يجالسه، وهذا أمر مشهود لا ينكره عاقل، وإذا تقدم رجل لخطبة امرأة تجد أن المرأة وأهلها يحكمون عليه من جلسائه، إذا كان يجالس أهل الخير، والتقوى، والصلاح زكوه، كانت هذه المجالسة تزكية له، وإذا كان يجالس أهل الشر والفساد كانت تلك المجالسة تهمة له، فعلى الإنسان أن يختار الجلساء الذين يشعر معهم بزيادة الإيمان، يشعر معهم بأنه منتفع ومستفيد، كما قال – عليه الصلاة والسلام -: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما تجد منه ريحا طيبا – حامل المسك أنت رابح منه بكل حال، إما أن تشتري منه، وإما أن يهدي لك، وإما على الأقل أن تجد منه ريحا طيبة – ومثل جليس السوء كنافخ الكير الذي ينفخ في الكير في الحديد – إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة – فأنت خاسر بمجالسته بكل حال- » فعلى الإنسان أن يحرص على أن ينتقي من يجالسه، ويقال: إن الإنسان يتأثر بأكثر خمسة أشخاص يجالسهم في الحياة شئت أم أبيت، فاختر الجلساء الذين تتأثر بهم في الخير، وينفعونك في أمور الدين والدنيا.

ومن أسباب ثبات القلوب: طلب العلم؛ لأن الإنسان بالعلم يتقي فتن الشبهات، وأيضا يتقي فتن الشهوات؛ لأن الإنسان مهما كان عليه من القوة في العبادة لا يمكن أن يعبد الله كما يحب الله إلا عن طريق العلم، ولذلك العلماء هم الذين يخشون الله، وكلما كان الإنسان بالله أعلم كان أشد خشية لله، كما قال – سبحانه – : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ قال الشافعي – رحمه الله – : «إذا لم يكن العلماء أولياء لله فما لله ولي» يشير إلى أنه أولى بوصف الولاية من غيرهم، الإنسان ينبغي أن يحرص على طلب العلم، وأن يسلك طريق العلم، والحمد لله في وقتنا الحاضر أصبح العلم متيسرا، العلم الشرعي أصبح متيسرا، ومبذولا، خاصة عندنا هنا في المملكة العربية السعودية، دروس العلم منتشرة، ومتيسرة، وأيضا مع وسائل التقنية في الوقت الحاضر أصبح بإمكان الإنسان أن يطلب العلم عبر هذه الوسائل حتى وهو في بيته، بإمكانه الآن أن يتابع درس أي شيخ من المشايخ يريد متابعة دروسه وهو في البيت، عبر وسائل التقنية الحديثة، يستطيع أن يتابع درس أي عالم من العلماء، حتى يستطيع أن يستمع لهذا الدرس مرة ثانية، وثالثة، تبث مباشرة، وتسجل، وأيضا الكتب متيسرة، وقريبة، العلم أصبح الآن مبذولا، ومتيسرا، ولكن المهم أن توجد الهمة لدى المسلم في طلب العلم، ومن كان عنده حرص وهمة على طلب العلم فهذه علامة على أنه أريد به الخير – إن شاء الله – والدليل لهذا قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» متفق عليه، تأملوا يا إخواني هذا الحديث: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» من علامة إرادة الله بالإنسان الخير أن يرزقه الفقه في دين الله – سبحانه – فعلى الإنسان أن يحرص على التفقه في الدين، وأن يحرص على طلب العلم، إذا وجد حلقة علم يحرص عليها، ينتفع ويستفيد من خطب الجمعة، ومن الدروس، ومن حلق العلم، ومن المحاضرات، فهذه من أسباب الثبات على طريق الحق، وطريق الهداية، والاستقامة.

وأيضا من أسباب ثبات القلوب: الارتباط بالقرآن العظيم، فإن هذا القرآن هو كلام الله تعالى، جعله الله تعالى الآية لنبينا محمدا – صلى الله عليه وسلم – فإن الله بحكمته لما أرسل الرسل إلى البشر، أعطى كل نبي آية وهي ما يسميها بعض المعاصرين معجزة، والأحسن أن نسميها آية لأن هذا هو المصطلح الوارد في القرآن والسنة، أما معجزة قد تقع الخوارق حتى من غير الأنبياء، قد تقع الكرامات للصالحين، قد تقع أيضا بعض الأمور على يد السحرة والمشعوذين، الأحسن نسميها آية، جعل الله لكل نبي آية حتى يعرف البشر بأنه مرسل من عند الله، فمثلا آية موسى العصا، آية عيسى يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيى الموت بإذن الله، آية صالح الناقة، كل نبي له آية، ما آية نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – ؟ هو القرآن العظيم «ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان للذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي – يعني القرآن -» وهذا من حكمة الله – سبحانه – وأحكم الحاكمين جعل آية محمد – صلى الله عليه وسلم – هو هذا القرآن؛ لأنه آخر الأنبياء، وخاتم الأنبياء، حتى تبقى هذه الآية تراه جميع الأجيال، تراه جميع الأمة، ثم إن الله – سبحانه – بحكمته تكفل بحفظه، قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ هل تغير في القرآن حرف واحد منذ أن أنزله الله على محمد بن عبد الله إلى وقتنا هذا؟ لا والله، حرف واحد ما تغير، نقرأ القرآن غضا طريا كما كان يقرأه نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – وكما كان يقرأه أصحابه – رضي الله عنهم – فهذا القرآن العظيم هو آية نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – وقد جعله الله مبارك، بارك في كل شيء، في تلاوة، وفي الحفظ، وفي العلم، وفي التحاكم إليه، وفي الاستشفاء به، هذا القرآن ينبغي أيها الإخوة أن نجعل له نصيبا من أوقاتنا، ومن حياتنا، ينبغي ألا يمر يوم على المسلم ولم يقرأ فيه شيئا من كتاب الله – عز وجل – لا يليق بالمسلم أن يمر عليه يوم ما قرأ فيه شيء من القرآن، ينبغي أن يكون لكل مسلم ورد، أو حزب، كان السلف يسمونه حزبا، ليس حزبا بالمعنى الاصطلاح عند التجويد، ولكن المقصود به قدر معين يحافظ عليه، لا ينقص عنه وقد يزيد عليه، وإذا قدر أنه عرض له عارض يقضيه، كما قال – عليه الصلاة والسلام – : «من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل» رواه مسلم، يعيش مع القرآن، يقرأ القرآن، يتدبر آياته، هذا القرآن العظيم فيه نبأ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، فيه حكم وأحكام، فيه ذكر للموت وللدار الآخرة وما يكون فيها، فيه وصف للجنة، ووصف للنار، فيه أخبار للأمم السابقة، وأحوال الأنبياء مع أممهم، فيه قصص وعبر ومواعظ، يعيش الإنسان مع القرآن، ويتدبر هذا القرآن العظيم، هذا يا إخواني من أعظم أسباب الثبات، ولكن عندما نرى واقع بعض المسلمين، وربما لست مبالغا وقلت: واقع كثير من المسلمين نجد واقعا مؤسفا، بعض الناس ما يقرأ القرآن إلا في رمضان، وبعضهم يمر عليه الشهر، والشهران، وما قرأ فيه شيئا من كتاب الله – عز وجل – هذا لا يليق بالمسلم، لا تجعل قراءة القرآن على الهامش، إن جاء معك وقت قرأت، إن أتيت للمسجد مبكرا قرأت وإلا ما قرأت، لا، اجعل هذا جزء أساسيا في حياتك، كل يوم لا تنام إلا وقد قرأت هذا الورد والحزب، اجعل هذا الشيء أساسي في حياتك، أليس عندك في الحياة أساسيات، أمور لابد أن تفعلها كل يوم، اجعل هذا من الأساسيات، كما أنك تحافظ على الصلوات الخمس أيضا اجعل هذا الورد من القرآن تحافظ عليه كل يوم، هذا فيه الخير، وفيه البركة، وفيه الأجر العظيم أيضا، من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، يقول – عليه الصلاة والسلام – : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» أخرجه الترمذي، بسند صحيح، حسبه بعض أهل العلم مع أن الحسبة في هذا الباب يعني غير محبذة، لكن في هذه المسألة بخصوصها ورد الحساب فيها في هذا الحديث، فأخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها» ضرب عشرة في عدد حروف القرآن، تدرون كم النتيجة؟ أكثر من ثلاثة ملايين حسنة إذا ختمت القرآن، فضل عظيم، وهناك أناس موفقون، أعرف أناس أحيانا يختمون القرآن كل ثلاثة أيام، كل ثلاثة أيام، وفي المواسم الفاضلة مثل: رمضان يختمون القرآن كل يوم، بل بعضهم يختمه في اليوم مرتين، وهؤلاء هم الذين ينبغي ألا يغبط إلا هم، هم والموفقون لإنفاق المال في سبل الخير، كما قال – عليه الصلاة والسلام – : «لا حسد – يعني لا غبطة – إلا في اثنتين: رجل أتاه الله القرآن وهو يقوم به – يعني يقرأه ويتلوه – آناء الليل – يعني ساعات الليل – وآناء النهار – يعني ساعات النهار – هذا الذي ينبغي أن يغبط – ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته – يعني إنفاقه- في الحق -يعني في سبل الخير -» هذان الاثنان هم من أفضل الناس، وهم اللذان ينبغي أن يغبطا، ولا يغبط إلا هما، لا حسد يعني لا غبطة إلا لهذين الرجلين، المال قد بعض الناس يقول: ما عندي أموال أتصدق بها، وأنفق منها في سبل الخير، تلاوة القرآن مستطاعه، أي واحد منا يستطيع أن يحقق الوصف الآخر في هذا الحديث، فاحرص يا أخي على ارتباطك بالقرآن، أيضا الاستماع للقرآن هذا جانب يغفل عنه بعض الناس، الاستماع، وليس السماع، الاستماع؛ لأن الذي يؤجر عليه الإنسان ويثاب عليه هو الاستماع، ما الفرق بين السماع والاستماع؟

السماع: أنك تسمع القرآن لكن لا تقصد الإنصات، ولا الاستماع.

أما الاستماع: فتنصت، وتقصد الاستماع.

ولذلك الفقهاء يقولون: يشرع سجود التلاوة للمستمع دون السماع، المستمع هو: المنصت، قاصد الاستماع، هذا إذا سجد القارئ يسجد المستمع معه دون السامع، السامع لا يسجد؛ لأنه ما قصد الإنصات.

 استماع للقرآن من أسباب زيادة الإيمان ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا اجعل مثلا معك في السيارة شريطا مثلا تستمع فيه آيات الله، تستمع لها بإنصات، وتدبر، أو مثلا: تستمع إذاعة القرآن مثلا، أو تستمع قارئا يقرأ، لكن تستمع وتنصت، وتتدبر، هذا من أسباب زيادة الإيمان ويؤجر عليه الإنسان، فينبغي لنا جميعا أيها الأخوة أن نجعل لهذا القرآن العظيم نصيبا من أوقاتنا، ومن حياتنا.

أيضا من الأسباب ولعلي أختم بها: سبب عظيم إذا حافظ عليه الإنسان فإنه بإذن الله تعالى يوقى من الفتن، ويأمن من النفاق، ويزيد إيمانه، وهو دأب الصالحين، هو قيام الليل ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ناشئة الليل: هي قيام الليل بعد النوم، الصلاة بعد القيام من نوم الليل هذه هي ناشئة الليل، هي أشد وطئا: يعني مواطأة واتفاق من القلب واللسان، وأقوم قيلا: أي: أصوب قراءة، وأكثر تدبرا للقرآن، اجعل لك نصيبا من قيام الليل، وانظر لأثره على حياتك، تجد العجب، تجد أن له أثرا في ثباتك، وفي صلاحك، وفي استقامتك، وفي أيضا أن تجد حلاوة الإيمان، الإنسان في النهار قد يكون مشغولا ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا مشغول بكسب لقمة العيش، مشغول بأمور أخرى، لكن عندما يقوم من الليل، يخلو بربه، يناجي ربه، هنا يجد لذة المناجاة، وحلاوة الإيمان، وهذا أيضا أمان من النفاق؛ لأنه كما قال السلف: «ما قام الليل منافق» المنافق ما يمكن أن يقوم الليل أبدا لأن منافق يرائي الناس ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا في الليل لا أحد يراه، من يقوم الليل هذا شهادة له بأنه بعيد عن النفاق، وأمان من النفاق، وأيضا قيام الليل في الثلث الأخير خاصة هو وقت النزول الإلهي إذا كان قيام الليل في الثلث الليل فإنه يوافق وقت النزول الإلهي، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من داع فأستجيب له، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له؛ وذلك كل ليلة» رواه مسلم، كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر نادى الرب – عز وجل – عباده بهذا النداء، هل من داع، هل من سائل، هل من مستغفر، فإذا وافق ذلك وأنت ساجد في الثلث الأخير من الليل، «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» حينما تضع أشرف أعضائك جبهتك وأنفك على الأرض تكون قريبا جدا من الرب – جل جلاله – فكيف إذا وافق ذلك في الثلث الأخير من الليل؟ الدعاء حري بالإجابة، فهذا يا إخواني هو زاد المتقين، ودأب الصالحين، احرص أنك قبل الفجر، تقوم قبل الفجر وتصلي ما كتب الله لك، ثم توتر، ثم تأتي لصلاة الفجر منشرحا طيب النفس، يقول – عليه الصلاة والسلام – : «إذا نام الإنسان عقد عليه الشيطان ثلاث عقد، عليك ليل طويل فارقد، فإن هو قام فذكر الله انحلت عقدة، وإن قام وتوضأ انحلت عقدة، وإن صلى ركعتين حلت عقدة، فقام نشيطا طيب النفس، وإلا قام خبيث النفس كسلانا» متفق عليه، يعقد الشيطان هذا العقد اختلف فيه العلماء هل عقد حسي أو عقد معنوي؟

لكن هذه العقد سواء قلنا هو عقد حسي أو معنوي تزول بهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها النبي – صلى الله عليه وسلم – فقام وذكر الله حلت العقدة الأولى، توضأ انحلت العقدة الثانية، من صلى انحلت العقدة الثالثة، فقام نشيطا طيب النفس، وإلا قام خبيث النفس كسلانا، فليجعل المسلم أيضا حظا من هذا، بعد المحافظة على الفرائض، فيحافظ أولا: على الفرائض محافظة شديدة، ويحرص على النوافل، وأن يكون له نصيب من النوافل ليداوم عليها، يحافظ عليها، كما قال – عليه الصلاة والسلام – : «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» القليل مع القليل مع مرور الوقت يكون كثيرا، لكن المهم المحافظة والمداومة، لو افترضنا مثلا أنك قررت قلت: الآن سأصلي صلاة الضحى كل يوم ركعتين، خلال سنة واحدة تكون كم صليت من ركعة؟ تكون قد صليت أكثر من سبعمائة ركعة، سبعمائة ركعة كثير، لكن لو حافظت على ركعتي الضحى تكون في السنة صليت أكثر من سبعمائة ركعة، وهكذا بالنسبة للأعمال الصالحة، ثم كما ترون الآن يا إخوان سرعة مرور الوقت، إذا كان عندك أعمال صالحة تحافظ عليها فإنك تسر وتفرح، بحيث تكون مع سرعة مرور الوقت مضى هذا العام لكني ولله الحمد محافظ على أعمال كذا وكذا، هذا مما يدخل عليك الأنس والفرح، بخلاف الإنسان الذي ليس له أعمال صالحة يحافظ عليها، ثم إن هناك أعمال أخرى للمداومة على الأعمال الصالحة وهي: أن الإنسان إذا عرض له عارض مرضا أو سفر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيم، كما أخبر بذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – مثال ذلك: كنت مثلا من عادتك أنك تقوم الليل، لكن في تلك الليلة مرضت، أو سافرت، أو انشغلت مثلا بمريض، أو نحو ذلك.. ولم تقم تلك الليلة يكتب لك كأنك قمت الليلة، أجرك تاما، بينما الذي لا يحافظ على العمل الصالح يعني مثلا من عادته يقوم الليل، ما يكتب له هذا، لهذا ينبغي أن يحرص المسلم على أن يكون له نوافل يداوم عليها بعد المحافظة على الفرائض.

 ويا إخواني حياة الإنسان فرصة واحدة غير قابلة للتعويض، فرصة واحدة، هو الآن يعيش في اختبار في هذه الدنيا، فإن نجح الإنسان في هذا الاختبار العظيم سعد السعادة الأبدية، وإن فشل خسر خسارة العظيمة، اختبارات، أمور الدنيا قد يخفق الإنسان فيه ويعوض، الطالب قد يرسب في المدرسة ويعوض، التاجر قد يخسر صفقة تجارية يعوض، قد يخسر الإنسان مثلا في أمر من الأمور يعوض، أمور الدنيا كلها قابلة للتعويض، لكن حياتك أيها الإنسان فرصة واحدة، غير قابلة للتعويض، إن نجحت في هذا الاختبار العظيم الذي نحن فيه الآن فقد فزت الفوز العظيم، وإن فشلت فيه فقد خسرت الخسارة العظيمة، إن نجحت فزت الفوز العظيم مهما حصل لك من تعثرات في الحياة حتى وإن كنت فقيرا، حتى وإن كنت فاشلا في أمور دنياك، لكن إذا نجحت في علاقتك مع ربك فالنجاح العظيم والفوز العظيم، بينما إذا فشل الإنسان في علاقته مع ربه – سبحانه – مهما حصل له من ناجحات في الدنيا، ومن ثراء، ومن أموال، ومن قل ما شئت.. يبقى في النهاية أنه فاشل  ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم  خسروا كل شيء حتى أنفسهم.

أسال الله تعالى أن يستعملنا جميعا في طاعته، وأن يثبتنا على دينه، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.

اللهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، ونسألك قلوبا سليمة، وألسنة صادقة، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

اللهم اهد قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا، ونسألك اللهم قلوبنا سليمة صالحة مخبتة إليك.

 اللهم إنا نسألك قلوبا سليمة، اللهم إنا نسألك قلوبا مخبتة إليك، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك اللهم من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.